محمد بن محمد ابو شهبة
188
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
ولأنفسهم ، حتى لقد بات وجوه المسلمين من أهل المدينة وعليهم السلاح بالمسجد النبوي خوفا على الرسول ، وأقاموا حراسا على مداخل المدينة بالليل . مشاورة النبي أصحابه ولم يكن بدّ من أن يتشاور النبي والمسلمون فيما دهمهم ، فجمع النبي وجوه المهاجرين والأنصار وحضر معهم عبد اللّه بن أبي رأس المنافقين ، وكان ذلك في يوم جمعة ، وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم رأى ليلة الجمعة رؤيا ، فلما أصبح قصّها على أصحابه فقال : « إني قد رأيت واللّه خيرا ، رأيت بقرا تذبح ، ورأيت في ذباب سيفي ثلما ، ورأيت أني أدخلت يدي في درع حصينة ، فأوّلتها المدينة » ، وقد ورد في تأويل بقية الرؤيا أن النبي قال : « فأما البقر فأناس من أصحابي يقتلون ، وأما الثلم . . . فهو رجل من أهل بيتي يقتل » « 1 » . فمن ثمّ كان رأي رسول اللّه المقام بالمدينة والتحصن بها ، فإن هم دخلوا عليهم قاتلوهم ، ورأى هذا الرأي شيوخ المهاجرين والأنصار ، ورأى هذا الرأي أيضا عبد اللّه بن أبي ابن سلول ، فقال : ( يا رسول اللّه أقم بالمدينة لا تخرج إليهم ، فو اللّه ما خرجنا إلى عدو قط إلا أصاب منا ، ولا دخلها علينا إلا أصبنا منه ، فكيف وأنت فينا ؟ فإن أقاموا أقاموا بشر مقام ، وإن دخلوا قاتلهم الرجال في وجوههم ، ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من فوقهم ، وإن رجعوا رجعوا خائبين ) . ولكن الكثيرين ولا سيما الشباب ممن لم يشهد بدرا ، أو شهدها وأمتعهم اللّه بالنصر قالوا : يا رسول اللّه : اخرج بنا إلى أعدائنا ، ولا يرون أنا جبنّا عنهم وضعفنا ، ومن هؤلاء حمزة بن عبد المطلب فقال : والذي أنزل عليك الكتاب لنجالدنّهم . وصلّى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بهم الجمعة ، ووعظ الناس وذكّرهم وحثّهم على الثبات والصبر ، ثم دخل بيته فلبس لأمته « 2 » ثم خرج عليهم ، فلما راه الذين أشاروا بالخروج ندموا وقالوا : استكرهناك ولم يكن لنا ذلك ، يا رسول اللّه إن
--> ( 1 ) سيرة ابن هشام ج 3 ص 62 ط الحلبي . ( 2 ) عدة الحرب من درع ومغفر ونحوهما .